سيد محمد طنطاوي

120

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ورزقه ، عن طريق التجارات والأسفار على ظهر البحر من مكان إلى آخر . سعيا وراء الربح . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بحض الناس على شكره على نعمه فقال * ( ولَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) * . أي : ولعلكم تشكرون اللَّه - تعالى - على آلائه ، حيث سخر لكم البحر ، وجعله وسيلة من وسائل منفعتكم ومعاشكم . ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن فوائد الجبال والأنهار والسبل والنجوم ، فقال - تعالى - : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 15 إلى 16 ] وأَلْقى فِي الأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وأَنْهاراً وسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 15 ) وعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ( 16 ) ولفظ : « رواسي » جمع راس من الرسو - بفتح الراء وسكون السين - بمعنى الثبات والتمكن في المكان ، يقال رسا الشيء يرسو إذا ثبت . وهو صفة لموصوف محذوف . أي : جبالا رواسي . و « تميد » أي تضطرب وتميل . يقال : ماد الشيء يميد ميدا ، إذا تحرك ، ومادت الأغصان إذا تمايلت أي : وألقى - سبحانه - في الأرض جبالا ثوابت لكي تقر وتثبت ولا تضطرب . فقوله « أن تميد بكم » تعليل لإلقاء الجبال في الأرض . قال القرطبي : وروى الترمذي بسنده عن أنس بن مالك عن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم قال : « لما خلق اللَّه الأرض جعلت تميد وتضطرب ، فخلق الجبال عليها فاستقرت ، فعجبت الملائكة من شدة الجبال . قالوا يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال ؟ قال نعم ، الحديد . قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد ؟ قال نعم النار . قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار ؟ قال نعم الماء ، قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الماء ؟ قال نعم الريح . قالوا يا رب : فهل من خلقك شيء أشد من الريح ؟ قال نعم ، ابن آدم إذا تصدق بصدقة بيمينه يخفيها عن شماله » « 1 » .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 10 ص 90 .